روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

126

المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )

المقدور وقدرة العباد وهي صفة العباد ، وأيضا هي مقدورة الله . وإنّه تعالى يخلق قدرته لحظة فلحظة في العبد . وتلك القدرة ليست بكسب العبد ، وحركة العبد في الكسب أيضا خلق اللّه تعالى . ولو كانت حركة العبد بكسب العبد وكانت خارجة من قدرة اللّه تعالى لكان قادرا على دفع حركة الرعدة الضروريّة في يده . ولو كانت الحركة مقدورة للعبد لإحاطة بعلمه بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة واعدادها . فلمّا ثبت هذا البيان علمنا أيضا مقدور اللّه تعالى اختراعا . وأنّ قدرة اللّه تعالى متعلقة بالمقدورات في الأزل ، وليست مخصوصة بحصول المقدور في وقته . وإنّه تعالى متفضّل على الخلق بالخلق والاختراع ، منعم على العباد بتكليفهم العبوديّة . ولم يكن التكليف والخلق واجبا على اللّه تعالى خلافا للمعتزلة . فإنّهم قالوا أنه واجب على اللّه الخلق والتكليف لما فيه من مصلحة العباد . وهذا محض المحال لأنّ اللّه تعالى موجب الأمر لا يجب عليه شيء لأن من وجب عليه شيء فموجب ذلك الواجب عليه أعظم منه . وهو تعالى واحد ليس له ضدّ ولا ندّ ولا شريك في ملكه . وهو تعالى يفعل ويأمر وينهى باختياره ومراده . وهو غالب على أمره . وهو بذاته تعالى مقدّس من خوف عاقبة الأمور لأنّه فعل بمراده الأزلي وعلمه الأزلي قبل وجود المخلوقات . وهو متصرّف في ملكه ، كما يشاء . امتحن العباد بالخير والشرّ ، وابتلاهم بالأمر والنهي ، ودعاهم إلى طاعته . ولو وجب عليه مصلحة العباد ولم يكن متصرّفا في ملكه كما يشاء . ومن الجائز على اللّه تعالى أن يكلّف عباده بما لا يطيقونه خلافا للمعتزلة ، لأنّ اللّه تعالى ذكر في كتابه سؤال عباده حيث قالوا : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] . ولو لم يجز التكليف بما لا يطاق لا ستحال سؤالهم دفع ما لا يطاق . وإنّ اللّه تعالى علمنا بعلمه الأزلي أنّ فرعون في الأزل كان كافرا ، وأمر موسى - عليه السلام - أن يدعوه إلى اللّه - تعالى وتقدّس - وهو كان عالما بأنه لا يؤمن به أبدا لأنّ الإيمان يتعلّق بمراد اللّه - تعالى وتقدّس . وقد أخبر اللّه تعالى نبيّه - عليه الصلاة والسلام - بأن أبا جهل لا يصدقه ، ثمّ أمره أن يصدّقه وعلم بأن لا يصدّقه . وهذا محض تكليف ما لا يطاق . ولله تعالى إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سبق منهم خلافا للمعتزلة . ولا يوصف الحق تعالى - جلّ وجلاله - بالظلم لأنّ الظلم وضع الشيء في غير موضعه ،